هل خمّرت نصوصك اليوم؟

بقلم: إسماعيل حسن – مترجم ومحرر مصري

يُحكى أن إنساناً ما – مصري قديم على الأرجح – اكتشف الخميرة عن طريق الصدفة قبل نحو 5,000 عام، حين تكاسل عن خبز العجين الذي أعده، ربما ليستريح قليلاً، فدخلت جراثيم الخميرة البرية المحمولة جواً إلى العجين، فأكسبت الخبز طعماً وانتفاخاً أعجبه كثيراً. ومنذ ذلك الحين، أصبحت عملية التخمير جزءاً أساسياً من صناعة الخبز.

ما علاقة هذا بالكتابة؟

التباعد الذهني (Mental Distance) من الممارسات المفيدة للمترجمين والكتاب عموماً، وهي تشبه التخمير؛ إذ يبتعد الكاتب أو المترجم عن النص بعد ترجمته أو كتابته، ليفصل نفسه شعورياً وذهنياً عنه بممارسة أي نشاط آخر لبعض الوقت، ثم يعود إليه لاحقاً ليراجعه بمنظور المراجع أو المدقق أو حتى القارئ. عندها سيكون أكثر قدرة على تقييم النص بقدر من الموضوعية أكثر بكثير مما لو راجعه مباشرة بعد ترجمته/كتابته.

يساعدك التباعد الذهني في رصد الأخطاء التي غفلت عنها، وسد الفجوات، واكتشاف ثغرات لم تلحظها، وربما إيجاد كلمات أدق أو أجمل لوصف ما أردت قوله، ما يتيح لك اكتشاف أي خلل في الأفكار أو اللغة أو الأسلوب.

هذا التباعد ليس رفاهية، بل أداة تحرير فعالة، يعتمدها كتّاب محترفون في مختلف اللغات لينظروا إلى النص بعين “قارئ خارجي”، لا كاتبه، وهي عين أكثر موضوعية ودقة.

يقول الروائي الأمريكي زادي سميث: “ابتعد عن عملك لبعض الوقت، وستعود إليه بعين جديدة، قادرة على قتله أو إنقاذه.

هذا الفاصل الزمني والذهني قد يصنع فارقاً كبيراً بين نص جيّد… ونص مُتقن.

إني داعٍ فأمِّنوا: اللهم خمّر نصوصنا، وأبعد عنها الأخطاء ما ظهر منها وما بطن، وامنحنا المسافة التي نحتاجها لنراها كما يجب، ونجنا من الشرير، فأنت وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

This Post Has 4 Comments

  1. Hanaa Awad

    اللهم آمين

    1. AW

      Thanks

  2. Hosni

    Very good point with amazing clearfication

    1. translationisland

      Thanks

Comments are closed.