إشكالية ترجمة النصوص الدينية

بقلم د. حسام صبري عثمان

عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية

كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر

والحائز على جائزة الشيخ حمد للترجمة

من المقرر عند علماء الفقه والأصول أنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلا سبيل لدَرَك الأحكام بغير سلامة الأفهام، وإلا كان المرء يهرف بما لا يعرف، وينطق بما لا يفقه؛ ومن كانت هذه حاله، كان خطؤه أكثر من صوابه. وهذه هي مرحلة التصوّر التي تحدث عنها الفقهاء فعدّوها أول مرتبة في مراتب الوصول إلى الحكم الشرعي. وما من شك في أنّ غياب الفهم يقدح في سلامة الأحكام. ولا يختص هذا بعلم الفقه، بل هو مطرد عام في سائر الفنون وشتى المعارف والعلوم. ولعلّ هذا أظهر في فنّ الترجمة، وأشد ظهورًا في ترجمة النصوص الدينية على وجه الخصوص. فالترجمة بغير فهم مزلّة أقدام، ومضلة أفهام. ومهما علا شأن المترجم وذاع ذكره، يظل متوجسًا خيفة من الوقوع فريسة لفهم خاطئ أو تصور كاذب. ولعله

من المستحسن إيراد شاهد على هذا الكلام وبينة على الدعوى في هذا المقام.

كتب جورج مقدسي ورقة بحثية عن تاريخ ظهور المذاهب الفقهية، راح يبرر فيها سر اندثار جلّ المذاهب السُنّية التي كانت موجودة من قبل، وبقاء الأربعة المعروفة. فكان مما ذكره في بيان هذه الأسباب ما قيل عن أثر البُعد الجغرافي والعنصر المكان. فاستشهد مقدسي بما ذكره رحالة شهير من علماء المسلمين، هو شمس الدين أبى عبد الله محمد المقدسي، في كتابه الموسوم بـ “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم”: فإن قال: ابن عامر مجهول وقراءته غير مشهورة، أجبناه: لو كان ابن عامر بالحجاز أو بالعراق ما جُهل ولا شذّت قراءته لكنّه لمّا كان بمصر متطرّفا قلّ الواردون عليه والناقلون عن. ألا ترى أنّ الأوزاعيّ كان من أئمّة الفقه، وقد بطل مذهبه لهذا المعنى فلو كانا على سابلة الحاجّ لنقل مذهبيهما أهل الشرق والغرب.

فظن جورج مقدسي أنّ المراد بقوله “لما كان بمصر” بلدنا مصر الحبيبة فترجمها إلى Egypt بيد أنّ المراد بهذا: مصر من الأمصار، والأنسب ترجمتها إلى Region. فهذا جورج مقدسي، وهو من هو، قد زلّت قدمه ووقع في هذا الخطأ الشنيع؛ فمعلوم أنّ ابن عامر الشامي هو إمام أهل الشام في إقراء القرآن، وإليه انتهت مشيخة الإقراء بها، ولم تذكر كتب السير والتراجم أنه ارتحل إلى مصر أو عاش بأرضها.

لعل في هذه القصة الطريفة مدخلاً مناسبًا نلج منه إلى موضوعنا الذي نخصص له سلسلة من المقالات تُنشر تباعًا على صفحات مجلة مترجمون الواعدة، لنستعرض معًا بعض ما يكتنف ترجمة النصوص الدينية من إشكالات، ونسلط الضوء على عدد من المصطلحات، في جولة شائقة تنقل بعض المتعة التي يلقاها المترجم في فكّ رموز ما استغلق وفهم ما استبهم. فانتظرونا في العدد القادم بمشيئة الرحمن.